حسن بن موسى القادري
375
شرح حكم الشيخ الأكبر
خبث قولك : أنا ، ويجوز كسرها من الإناء لأنا إناء أي : مثله لهويته المطلقة الظاهرة فينا من غير الانحصار ؛ لأن المطلق يظهر في المقيّد مقيدا من غير تقيده ، فهي متعينة بنا كتعين ما في الإناء بالإناء . قال الشيخ مؤيد الدين الجندي قدّس سرّه : يقولون لوّن الماء لون إنائه * أنا الآن من ماء إناء بلا لون وقال الشيخ الأكبر قدّس سرّه في كوننا إناء للهوية المطلقة : فلي وجهان هو وأنا وليس له أنا بإنا * ولكن في مظهره فنحن له كمثل إنا أي : كمثل الإناء حذفت الهمزة للشعر والتخفيف ، وكما أنا كالإناء لهوية الحق ، كذلك نحن كالبناء لها تسكن فينا ، وهكذا حال جميع المظاهر بالنسبة إلى الظاهر فيها ، أو بفتحها من ( إناء ) وحقا يكون بمعنى البعد ، و ( من ) بفتح الميم يعمّ ذوي العقول وغيرهم أي : أشهد من أبعدك عن الحق تعالى حتى تعرض عنه ، وتشتغل بالحق لا بغيره ؛ لأنه المقصود الأعظم . 127 - المحبوب من جذبه الحق إليه ، وأقبل من كلّ وجه عليه . ثم اعلم أنه قد علم مما مرّ سابقا أن العبد محبّ والحق تعالى محبوب ، وقد يؤوّل الأمر إلى العكس ، فيصير العبد محبوبا للحق تعالى ، وهو الذي عرّفه الشيخ قدّس سرّه بقوله : ( المحبوب من جذبه الحق إليه ، وأقبل من كلّ وجه عليه ) أي : الذي حبب إلى اللّه تعالى المكمّل له مقام الخلة الذي هو حضرة أولى من حضرات القربة ، كما أن العبودية حضرة ثالثة ، والمحبة حضرة ثانية لها هو السالك الذي جذبه الحق سبحانه وتعالى . يجذبه من جذباته التي توازي واحدة منها عمل الثقلين إياه إلى نفسه ، فأدناه إليه وأدخله في مجلسه ، فتجلّى على قلبه الذي بيت ربه الذي يسعه دون غيره باسمه الخاص بذلك العبد ؛ إذ لكل عبد اسم خاص به يكون جذبه إلى الحق تعالى بسبب التجلّي ، أقبل ذلك العبد المتجلي على قلبه الرب من كلّ وجه من الوجوه التي بها الإقبال عليه تعالى ، فلا يبقى له وجه إلى غيره تعالى ؛ لأنه ممنوع كما عرفت سابقا فلا يقف عند شيء ، ولا يهرب عن شيء ؛ لأنهما لا يكونان إلا عند رؤية ما سوى اللّه تعالى وعدم مشاهدة الحق